الطبقة العاملة ما بين المعضلة والحل

قسم : أراء حره

إن الكثير من الناس يقعون في مغالطات كبيرة في تعريفهم لمصطلح الطبقة العاملة ، فيتعاملون مع المصطلح بأسلوب نمطي .. العمال في نظرهم هم اشخاص يرتدون ملابس مهنيّة خاصة و لهم شكل خاص و مرتبات شحيحة و يعملون اما في البناء او في المصانع ، و غالبيتهم اجانب !

بينما ماركس وانجلز لم يعيشوا كل حياتهم للنضال من اجل هؤلاء فقط ، و لم يتحدثوا عن نمط معيّن او مهنة معينة ، بل حتى ماركس تحدّث عن الاعمال الغير يدويّة ، و كتب عن شيء أعمق بكثير من هذه الصورة التي في مخيّلة الذين يحددون الطبقة العاملة من ناحية اللبس او المظهر او الذين يشترون بضائعهم من المكان الفلاني او الذين يتحدثون باللهجة العلانية !!

تعريف الطبقة و تحديدها لا علاقة له بهذه التصورات ، بل ان العمّال يتحدد موقعهم الطبقي عن طريق تحديد العلاقة الذاتيّة بينهم و بين وسائل الإنتاج.

فالعالم ينقسم الى قسمين: الاقليّة التي تمتلك المكاتب و المصانع و البنوك ، و الاغلبيّة التي لا تمتلك القدرة على العيش الا عن طريق بيع قدرتها على العمل لهذه الشركات و المؤسسات.

هنا يتحدد مفهوم الاستغلال و يأخذ شكله الحقيقي ، بين الرأسماليين الذين يملكون وسائل الإنتاج و الاغلبية الكادحة التي لا تملك الا عملها التي تبيعه للحصول على مرتّب و لا تحصل على حقها من الإنتاج العمال والعبودية الحديثة:ـ – العمّال هم باختصار: عبيد الأجور.

يضطر الرأسماليين عندما تحتدّ التنافسية بأن يحمّلوا العامل مجهود أكبر لساعات اطول او يقللوا المرتّبات للحفاظ على مستوى الربح ، و يدفع العامل تكاليف كل ازمة او انهيار اقتصادي.

لكن الاشتراكية و الماركسية لا تسقط بهذه السهولة ، لأنها نتاج للعلاقة الجدلية بين رأس المال و العامل ، فلن تختفي إلا إذا اختفت هذه العلاقة.

و لأن العمّال هم من يُنتج الربح الذي يُعتبر كما وصفه ماركس: (هو مثل الدمّ الذي يسعى خلفه مصّاص الدماء ، فهذا الكائن الاسطوري لا يمكن أن يستمر من دون أن يشرب دم البشر ، فلا تستمر الرأسمالية في البقاء إلا عبر استنزاف وتدمير البشرية.( إذن نعود الى تأصيل التعريف ، و مواجهة الأوهام الرائجة ، يقول انجلز في مبادئ الشيوعية: “البروليتاريا هي تلك الطبقة من طبقات المجتمع التي تكسب قوتها من بيع عملها حصرا, وليس من الربح الناجم عن رأسمال ما. فسعادتها وشقاؤها, وحياتها وموتها, ووجودها كله, أمور مرهونة بطلب العمل, وبالتالي بتتابع أزمات السوق وانتعاشها, وتأرجحات مزاحمة لا يردعها رادع.

فالبروليتاريا, أو طبقة البروليتاريين هي, بكلمة واحدة, الطبقة الكادحة و الشيوعية هي علم شروط تحرر البروليتاريا”. بمعنى ، أن ما يحدد انتمائك للطبقة العاملة هو ليس خلفيتك الطبقية ، و لا وعيك الطبقي ، و لا قوتك الشرائية – بل العلاقة الاجتماعية هي التي تحدد انتمائك.

إذن ، لو انت ابن الوزير و تعمل في شركة البترول ، هذا لا يعني اطلاقاً بأنك تمارس البيروقراطية و انك من طبقة ارستقراطية ، بل علاقتك الاجتماعية مع ربّ العمل و موقعك في الانتاج ، هو من يحدد تلك العلاقة. فلا يعني شيء .. انك مًدرك و واعي بذلك الموقع الطبقي او غير واعي فيه ، فالوعي لا يحدد موقعك الطبقي من الصراع الاجتماعي السائد.

إن الطبقة العاملة هي الطبقة الوحيدة التي باستطاعتها تغيير المجتمع و الغاء شروط العبودية لصالح كل المضطهدين ، العامل يملك القوة الاقتصادية لتحدّي القوى الرأسمالية بكل جبروتها و اموالها الطائلة ، لأن عندما يتوقّف العمال عن العمل و يتوقّف الانتاج حينها تتوقّف كل وسائل العيش و يتوقّف المجتمع عن الوجود !!

و الرأسماليين لا يستطيعون الاستمرار من دون الأزمات عبر الهجوم المتكرر و المستمرّ على الطبقة العاملة عبر تخفيض الاجور او زيادة ساعات العمل مما يجعل من الطبقة العاملة أن تتبنى نموذج المقاومة لنيل بعض حقوقها. الطبقة هي ليست نمط معيّن ، بل هي علاقة اجتماعية بين الأقلية التي تتحكم بالموارد والثروات و الأغلبية التي تنتج السلع و الخدمات و تنتج بالطبع الربح للحصول على مرتّب \ أجر!!

تناقضات الرأسمالية: في المجتمع الرأسمالي ، الاشخاص الذين يعملون لا يملكون وسائل الإنتاج ، والأشخاص الذين يملكون وسائل الإنتاج لا يعملون على الاطلاق.

في النظام الرأسمالي يتم إنتاج السلع بطريقة جماعيّة: عدد مهول من العمال يعملون في وحدات كبيرة: مصانع ، قطارات ، مستشفيات ، لكن التناقض هو في كون أن الإنتاج جماعي لكن الملكيّة غير جماعية بل في يد مجموعة من الافراد او الشركات الرأسمالية او الدولة. في كل وحدة انتاجية يوجد تخطيط ، لكن لا يوجد تخطيط بين الوحدات الانتاجية المختلفة ، فعلى سبيل المثال: يتم انتاج محرك واحد لكل سيارة في مصانع فولكسواجن ، و يتم ايضا صناعة هيكل واحد وأربع عجلات لكل سيارة ، و يوجد تخطيط بين كل القطاعات المختلفة في الوحدة الانتاجية ، لكن لا يوجد أي تخطيط بين الوحدات الانتاجية المختلفة ، بين فولكسواجن و جينرل الكترك على سبيل المثال .

إن التخطيط والفوضى هما وجهان لعملة واحدة في النظام الرأسمالي ، لكن دعونا نسأل انفسنا عن الفوارق في نُظم الإنتاج بين المجتمع الرأسمالي و النظم الاخرى؟

في النظام الإقطاعي يوجد إنتاج فردي و ملكية فردية ، و في النظام الاشتراكي يوجد إنتاج جماعي وملكية جماعية. في النظام الإقطاعي لا يوجد تخطيط اقتصادي ، بينما التخطيط في النظام الاشتراكي سيكون في كل وحدة انتاجية و سيكون في الاقتصاد عموما.

* العرض والطلب و عشوائيّة السوق: عندما نتحدث عن التجارة بشكل عام ، يبادر احدهم بشكل ملفت و يشرح عشوائيّة السوق بهذه العبارة الدارجة: ” انها مسألة عرض و طلب!!!” وبعدها .. يأتينا الخبير الاقتصادي المحنّك و يعرض علينا الغرافات – الرسم البياني – موضّحاً الاشكالية بإحصائيات دقيقة ، ولكنهم يغفلون عن حقيقة في غاية الأهمية: أن هذه الخرافات لا تشرح أي شيء ، لأنها لا تشرح مصادر العرض والطلب ، وهنا يجب ان نتوقف امام حقيقة ماثلة أمامنا: العمل ، و العمال هم مصدر الربح و الثروة – فإذا توقّف العامل عن الإنتاج الإنتاج توقّف المجتمع بأكمله عن الوجود.

فكل تفاصيل روتيننا اليومي تعتمد على العمل الجمعي ، وإلا لأصبحنا مُعدمين ، فرأس المال ما هو إلا تراكم عمل العامل.

التبرير الرأسمالي للاستغلال: هو أن رأس المال هو وسيلة انتاجية كما ان العامل هو ايضاً وسيلة إنتاجية ، فالعامل يحصل على الأجر كجزء من إنتاج الثروة ، و من حقّ رأس المال أن يحصل على جزء من الثروة على اعتبار انه جزء من الوسيلة الانتاجية ، لكن كيف يصبح رأس المال وسيلة انتاجية و هو اصلاً مُنتَج بحدّ ذاته – منتج تم انتاجه بواسطة العامل ، و هذا ليس تحليلاً ماركسياً وحسب ، بل موجود حتى في الاقتصاد الكلاسيكي الرأسمالي!**

لماذا يعجز المحللون عن شرح و تبرير رغبة الأثرياء و كيف تتحول رغباتهم الى طلب في الغرافات ، بينما يتم تجاهل وتهميش احتياجات الفقراء و الجوعى والمحتاجين – أين هؤلاء وأين رغباتهم وأين الطلب هنا؟؟!!

إن التبرير الرأسمالي في شرح هذه المعضلة هو تبريراً ساذجاً ، حيث يبررون المشكلة في الغرق في تفاصيلها و ليس في حلّها ، فجوابهم: هناك فارق كبير بين الطلب الفعّال و الطلب الغير فعّال – ببساطة .. الانتاج الرأسمالي لا يعتمد على الانتاج من اجل الحاجة – بل من أجل الربح فقط و الربحيّة نقيض للإنتاج من أجل الحاجة- والمسألة الربحيّة سوف تؤدي حتمياً إلى وجود فئة اجتماعيّة مُعدمة وهذه الفئة هي الاغلبية وليس الأقلية التي تستحوذ على الثروة و النُظم السياسية التي تدافع عن الملكيّة المحتكرة.

هذه الفئة المُعدمة التي تسببت الرأسمالية في فقرها تٌعتبر في نظر الاقتصاديين: مجرد طلب غير فعّال ، و هكذا استطاعوا الالتفاف على مسألة الإفقار بحجة الفقر – وهي حجة واهية. اما من ناحية العرض: فهو لا يشرح لمَ المنتجات المهمة لا يتم إنتاجها: لمَ يتم تهميش الحاجة على حساب الربحيّة؟! – فهذا يُبرر عدم وجود اراضي و منازل و غذاء و مواصلات للأغلبيّة المُعدمة.

يموت الفقراء اليوم ليس بسبب قلة الموارد أو نقص بالإنتاج ، بل هذا منافي للنظام الرأسمالي: فهو النظام الوحيد ، والاول من نوعه ، الذي يجوع فيه الناس بسبب طفرة الموارد و المنافسة على الانتاج!! فأن تحصل على راتب 30 ضعف المعدل الطبيعي: بينما مجهودك و عملك هو اقلّ من المعدل الطبيعي هو شيء اعتيادي في المجتمع الرأسمالي ، المبني على الاستغلال و الاضطهاد الطبقي.

إن العامل اليوم يعمل بمقدار 164 ساعة اضافية بالسنة اكثر من الثمانينات: يعني .. العامل اليوم يعمل بمقدار شهر إضافي بالسنة ، لكن يعيش في حالة غير صالحة للمعيشة!

في حقبة الثمانينات كانت رواتب الأثرياء 30 ضعف الراتب الطبيعي ، الآن .. هي 93 ضعف المعدل الطبيعي و في القرن التاسع عشر صرح أحد المنظّرين الاقتصاديين: بأن 20% من البشر تملك 80% من الثروة! في التسعينات أصبحت النسبة: 10 بالمئة تملك 90 بالمئة من الثروة! الآن وصلناً لإنجازاً مبهراً في رصيد الرأسمالية: هناك فقط 58 رأسمالي يملك أكثر من نصف ثروات العالم!!!

فالرأسمالية التي تحدث عنها ماركس و انجلز أصبحت أكثر وحشيّة و همجيّة من السابق ، على مستوى توزيع الثروة و على ايضاً مستوى دمار الحروب و وحشيتها!***

الخلاصة: بالرغم من كل هذه الاشكاليات ، فأن الطبقة العاملة تملك الامكانيّة للثورة على النظام الرأسمالي ، فكما اشرنا عندما تحدثنا عن دور العامل في الإنتاج و انه المصدر الاوّلي للثروة – فأنه ايضاً يمثّل طبقة اجتماعية مهمة ، بإمكانها تغيير وتحويل المجتمع عن طريق الاضراب و الاحتجاج و العصيان المدني و هناك شواهد كثيرة على مجتمعات تغيرت تغييراً جذرياً بسبب الحراك العمّالي و الثورة على الرأسمالية الخلاصة مازال امامنا الكثير من التنظيم و النضال كي نضع حداً لهمجية الرأسمالية محلياً و عالمياً.

.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *