الوعي الطبقي

قسم : أراء حره

مقدمة: مارست النّخب مؤخراً تحريفا لكل مفهوم من مفاهيم الصراع الطبقي ، فتجد السعي نحو الدفاع عن الطبقة الوسطى ، و آخر يسيء تعريفها ، و آخر يعتبرها “صمام أمان اجتماعي”. من هنا نجد بأن الأسباب الحقيقية لأي ظاهرة اجتماعية هي ايضاً غائبة ، فطبقة تتقلّص بدون سبب و معدلات الأجور تنخفض من دون ذكر سبب ، و يتم التنظير نحو اتساع او انكماش طبقة ما من دون أدنى وعي بالعلاقة الديناميكية بين الطبقات.

هذه الأفكار قد تكون جزئياً من دون وعي ، و جزئياً ايضاً بوعي ، لكن من المؤكد بأن تلك الإفرازات الثقافية في الترويج لطبقة ما هي انعكاسات للوعي الطبقي النخبوي .

جلباب الطبقة الوسطى فضفاض ؟! أصبح الحديث عن الطبقة الوسطى شائعاً ، على اعتبار أنها طبقة في الوسط ، بين الطبقة الثرية و الطبقة الفقيرة. هنا تسهل عملية التغيير ؛ من هنا يستوجب علينا البدء في النقد في التعريف ؟ كيف وصلت النخب لدينا لهذه الطبقة و كيف تعاملت مع مفهوم كونها “وسطى”؟!

هل هذه الطبقة تتوسع ام انها تتقلّص ؟ هناك من عرف الطبقة الوسطى أنها .. الطبقة الوسطى: “طبقة محصورة بين طبقتين ، طبقة الدخل المحدود و طبقة الدخل الغير محدود” ، وهناك تعريف آخر : “فئة بين الطبقة العاملة و الطبقة الثرية” ، ثم بعد ذلك يصفها بأن هذه الفئة هي الـ “كادحة”.

وتعريف ثالث وهو على أنها: “الكمّ البشري الاجتماعي الواقع بين قطبين اجتماعيين آخرين هما: المدقعين في الفقر و فاحشو الثراء.

و هذه الطبقة تتميز بأنها ذات اشباع نسبي ، مقارنة بتخمة الاعلى و جوع السفلى”.

التعريفات السابقة دائما تتكرر ، ثم يُضاف ختاماً: “هي صمام أمان اجتماعي”.

فلا يوجد ادنى تسائل كيف اصبحت الطبقة السفلى جائعة ولا كيف أصبحت الطبقة العليا مُتخمة ، يتم تجريد العلاقات الاجتماعية في كل التعاريف بما فيها تعريفه الخاص المنهج الماركسي للطبقية – الطبقة العاملة: أن الكثير من الناس يقعون في إشكالات في تعريفهم لمصطلح الطبقة العاملة ، فيتعاملون مع المصطلح بأسلوب انطباعي يميل إلى نمط محدد: العمال في نظرهم هم اشخاص يرتدون ملابس مهنيّة خاصة و يعيشون بمرتبات شحيحة و يعملون إما في قطاع الإنشاءات أو في المصانع ، و غالبيتهم أجانب !

بينما ماركس و انجلز لم يعيشوا جلّ حياتهم للنضال من اجل هؤلاء فقط ، و لم يتحدثوا عن نمط معيّن او مهنة معينة ، بل حتى ماركس تحدّث عن الأعمال الغير يدويّة ، و كتب عن شيء أعمق بكثير من هذه الصورة التي في مخيّلة الذين يحددون الطبقة العاملة من ناحية اللبس او المظهر او الذين يشترون بضائعهم من متجر يبيع البضائع الرخيصة او حتى ان البعض يحددها ثقافيا عبر لهجةٍ معينة !!

تلك الرؤى الاختزالية تجاوزتها الماركسية عبر طرح رؤية أكثر دقة في تناول المصطلح ، فتعريف الطبقة و تحديدها لا علاقة له بهذه التصورات ، بل ان العمّال يتحدد موقعهم الطبقي عن طريق تحديد العلاقة الذاتيّة بينهم و بين وسائل الإنتاج.

فالعالم ينقسم الى قسمين: الاقليّة التي تمتلك المكاتب و المصانع و البنوك و شركات الخدمات ، و الاغلبيّة التي لا تمتلك القدرة على العيش الا عن طريق بيع قدرتها على العمل لهذه الشركات و المؤسسات والحكومات.

هنا يتحدد مفهوم الاستغلال و يأخذ شكله الحقيقي ، بين الرأسماليين الذين يملكون وسائل الإنتاج و الاغلبية الكادحة التي لا تملك الا عملها التي تبيعه للحصول على مرتّب و لا تحصل على حقها الكامل من الإنتاج – العمّال هم باختصار كما وصفهم ماركس: عبيد الأجور.

يضطر الرأسماليين عندما تحتدّ التنافسية بأن يحمّلوا العامل مجهود أكبر لساعات اطول او يقللوا المرتّبات للحفاظ على مستوى الربح ، و يدفع العامل تكاليف كل ازمة او انهيار اقتصادي. لكن الاشتراكية و الماركسية لا تسقط بهذه السهولة ، لانها نتاج للعلاقة الجدلية بين رأس المال والعامل ، فلن تختفي إلا إذا اختفت هذه العلاقة.

و لأن العمّال هم من يُنتج الربح الذي يُعتبر كما وصفه ماركس: هو مثل الدمّ الذي يسعى خلفه مصّاص الدماء ، فهذا الكائن الاسطوري لا يمكن أن يستمر من دون أن يشرب دم البشر ، فلا تستمر الرأسمالية في البقاء إلا عبر استنزاف القوى البشرية.

اذن نعود الى تأصيل التعريف ، و مواجهة الاوهام الرائجة ، يقول انجلز في مبادئ الشيوعية: “البروليتاريا هي تلك الطبقة من طبقات المجتمع التي تكسب قوتها من بيع عملها حصرا, وليس من الربح الناجم عن رأسمال ما.

فسعادتها وشقاؤها, وحياتها وموتها, ووجودها كله, أمور مرهونة بطلب العمل, وبالتالي بتتابع أزمات السوق وانتعاشها, وتأرجحات مزاحمة لا يردعها رادع.

فالبروليتاريا, أو طبقة البروليتاريين هي, بكلمة واحدة, الطبقة الكادحة و الشيوعية هي علم شروط تحرر البروليتاريا”. بمعنى ، إن ما يحدد انتمائك للطبقة العاملة هو ليس خلفيتك الطبقية ، و لا وعيك الطبقي ، و لا قوتك الشرائية – بل العلاقة الاجتماعية هي التي تحدد انتمائك.

فالعلاقة الاجتماعية مع ربّ العمل و موقعك في الإنتاج ، هو من يحدد تلك العلاقة.

على الرغم من ان الوعي الطبقي ذات اهمية كبيرة إلا أنه لا يحدد الموقع الطبقي ، فقد يكون العامل يتموضع في الطبقة العاملة إلا أنه غير مدرك بذلك ، كما هي حال العديد من الذين يعملون في قطاع الخدمات و يشعرون بالامتياز مقارنة بالاعمال الاخرى ، او يكون في بعض الحالات.

كما أن موضوع الوعي الطبقي موضوعاً شائكاً ، و لا يمكن أن يتم تحديده من دون النظر الدقيق الى الصراع الطبقي و افرازاته.

الخلاصة هنا ، الوعي لا يحدد موقعك الطبقي من الصراع الاجتماعي السائد.

إن الطبقة العاملة هي الطبقة الوحيدة التي باستطاعتها تغيير المجتمع و الغاء شروط العبودية لصالح كل المضطهدين ، العامل يملك القوة الاقتصادية لتحدّي القوى الرأسمالية بكل جبروتها و اموالها الطائلة ، لأن عندما يتوقّف العمال عن العمل و يتوقّف الانتاج حينها تتوقّف كل وسائل العيش و يتوقّف المجتمع عن الوجود !!

و الرأسماليين لا يستطيعون الاستمرار من دون الأزمات عبر الهجوم المتكرر و المستمرّ على الطبقة العاملة عبر تخفيض الاجور او زيادة ساعات العمل مما يجعل من الطبقة العاملة ان تتبنى نموذج المقاومة لنيل بعض حقوقها.

الطبقة هي ليست نمط معيّن ، بل هي علاقة اجتماعية بين الأقلية التي تتحكم بالموارد و الثروات و الأغلبية التي تنتج السلع و الخدمات و تنتج بالطبع الربح للحصول على مرتّب \ أجر!!

تناقضات الرأسمالية: في المجتمع الرأسمالي ، الاشخاص الذين يعملون لا يملكون وسائل الانتاج ، و الاشخاص الذين يملكون وسائل الانتاج لا يعملون على الاطلاق.

في النظام الرأسمالي يتم إنتاج السلع بطريقة جماعيّة: عدد مهول من العمال يعملون في وحدات كبيرة: مصانع ، قطارات ، مستشفيات ، لكن التناقض هو في كون ان الانتاج جماعي لكن الملكيّة غير جماعية بل في يد مجموعة من الافراد او الشركات الراسمالية او الدولة.

في كل وحدة انتاجية يوجد تخطيط ، لكن لا يوجد تخطيط بين الوحدات الانتاجية المختلفة ، فعلى سبيل المثال: يتم انتاج محرك واحد لكل سيارة في مصانع فولكسواجن ، و يتم ايضا صناعة هيكل واحد و أربع عجلات لكل سيارة ، و يوجد تخطيط بين كل القطاعات المختلفة في الوحدة الانتاجية ، لكن لا يوجد أي تخطيط بين الوحدات الانتاجية المختلفة ، بين فولكسواجن و جينرل الكترك على سبيل المثال.

إن التخطيط والفوضى هما وجهان لعملة واحدة في النظام الراسمالي ، لكن دعونا نسأل انفسنا عن الفوارق في نُظم الإنتاج بين المجتمع الرأسمالي و النظم الاخرى؟ في النظام الإقطاعي يوجد إنتاج فردي و ملكية فردية ، و في النظام الاشتراكي يوجد إنتاج جماعي وملكية جماعية.

في النظام الإقطاعي لا يوجد تخطيط اقتصادي ، بينما التخطيط في النظام الاشتراكي سيكون في كل وحدة انتاجية و سيكون في الاقتصاد عموما

* –    العرض والطلب و عشوائيّة السوق: عندما نتحدث عن التجارة بشكل عام ، يبادر احدهم بشكل ملفت و يشرح عشوائيّة السوق بهذه العبارة الدارجة: ” انها مسألة عرض و طلب!!!”

وبعدها .. يأتينا الخبير الاقتصادي المحنّك و يعرض علينا – الرسم البياني – موضّحاً الإشكالية بإحصائيات دقيقة ، ولكنهم يغفلون عن حقيقة في غاية الأهمية: ان هذه الرسومات البيانية لا تشرح اي شيء ، لانها لا تشرح مصادر العرض والطلب ، وهنا يجب ان نتوقف امام حقيقة ماثلة أمامنا: العمل ، و العمال هم مصدر الربح و الثروة – فإذا توقّف العامل عن الإنتاج توقّف المجتمع بأكمله عن الوجود – فكل تفاصيل روتيننا اليومي تعتمد على العمل الجمعي ، وإلا لأصبحنا مُعدمين ، فرأس المال ما هو إلا تراكم عمل العامل.

التبرير الرأسمالي للاستغلال: هو ان راس المال هو وسيلة انتاجية كما ان العامل هو ايضاً وسيلة إنتاجية ، فالعامل يحصل على الأجر كجزء من إنتاج الثروة ، و من حقّ رأس المال أن يحصل على جزء من الثروة على اعتبار انه جزء من الوسيلة الانتاجية ، لكن كيف يصبح رأس المال وسيلة انتاجية و هو اصلاً مُنتَج بحدّ ذاته – منتج تم انتاجه بواسطة العامل ، و هذا ليس تحليلاً ماركسياً وحسب ، بل موجود حتى في الاقتصاد الكلاسيكي الرأسمالي!

** لماذا يعجز المحللون عن شرح و تبرير رغبة الاثرياء و كيف تتحول رغباتهم الى طلب في الغرافات ، بينما يتم تجاهل وتهميش احتياجات الفقراء و الجوعى والمحتاجين – أين هؤلاء وأين رغباتهم وأين الطلب هنا؟؟!!

إن التبرير الرأسمالي في شرح هذه المعضلة هو تبريراً ساذجاً ، و هكذا استطاعوا الالتفاف على مسألة الإفقار بحجة الفقر – وهي حجة واهية.

اما من ناحية العرض: فهو لا يشرح لمَ المنتجات المهمة لا يتم إنتاجها: لمَ يتم تهميش الحاجة على حساب الربحيّة؟! – فأن تحصل على راتب 30 ضعف المعدل الطبيعي: بينما مجهودك و عملك هو اقلّ من المعدل الطبيعي هو شيء اعتيادي في المجتمع الرأسمالي ، المبني على الاستغلال و الاضطهاد الطبقي.

إن العامل اليوم يعمل بمقدار 164 ساعة اضافية بالسنة اكثر من الثمانينات: يعني .. العامل اليوم يعمل بمقدار شهر إضافي بالسنة ، لكن يعيش في حالة غير صالحة للمعيشة!

فالرأسمالية التي تحدث عنها ماركس و انجلز أصبحت أكثر وحشيّة و همجيّة من السابق ، على مستوى توزيع الثروة و على ايضاً مستوى دمار الحروب و وحشيتها!

*** الخلاصة: بالرغم من كل هذه الاشكاليات ، فأن الطبقة العاملة تملك الامكانيّة للثورة على النظام الرأسمالي ، فكما اشرنا عندما تحدثنا عن دور العامل في الإنتاج و انه المصدر الاوّلي للثروة – فإنه ايضاً يمثّل أهم طبقة اجتماعية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *