في ذكرى انتفاضة الحجارة.. العصيان المدني مقاومة

لازال نضال الشعب الفلسطيني قائما حتى تحرير كامل أرضه، ولازل تاريخه ملهما لكل الشعوب المستضعفة في طريق نيل كامل الحقوق، وكانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى من أهم دروس التاريخ التي سطرها الشعب الفلسطيني، ليتعلم منها باقي شعوب العالم.  

بدأت الانتفاضة الفلسطينية يوم 9 ديسمبر 1987 في جباليا بقطاع غزة، بعد قيام سائق شاحنة صهيوني بدهس مجموعة من العمّال الفلسطينيّين على حاجز «إريز»، الذي يفصل قطاع غزة عن بقية الأراضي فلسطينة منذ سنة 1948.

الشرارة انطلقت في اليوم الذي قبله، عندما دهست شاحنة إسرائيلية يقودها إسرائيلي من أشدود سيارة يركبها عمال فلسطينيون من جباليا-البلد متوقفة في محطة وقود، وهو الأمر الذي أودى بحياة 4 أشخاص وجرح آخرين.

أُشيع بين الفلسطينيين أن هذا الحادث كان عبارة عن عملية انتقام من قبل والد أحد الصهاينة، مات بعد طعن أحد الفلسطينيين له أثناء تسوقه في غزة، فاعتبر الفلسطينيون أن الحادث هو عملية قتل متعمد.

في اليوم التالي وخلال جنازة الضحايا اندلع احتجاج عفوي قامت الحشود خلاله بإلقاء الحجارة على موقع للجيش الإسرائيلي بجباليا-البلد فقام الجنود بإطلاق النار دون أن يؤثر ذلك على الحشود، فطلب جيش الاحتلال الدعم، بعدما تعرض لوابل من الحجارة والمولوتوف.

انتقلت الانتفاضة إلى كل مدن وقرى ومخيّمات فلسطين، احتجاجا على الوضع العام المزري بالمخيمات وانتشار البطالة وإهانة الشعور القومي والقمع اليومي الذي تمارسه سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين. واستمر تنظيم الانتفاضة من قبل القيادة الوطنية الموحدة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية فيما بعد.

سمّيت الانتفاضة بـ”انتفاضة الحجارة” لأن الحجارة كانت أداة الهجوم والدفاع التي استخدمها المقاومون ضد عناصر الجيش الإسرائيلي، ولذلك سمي الصغار من رماة الحجارة بـ”أطفال الحجارة”.

نال 1300 فلسطيني الشهادة، أثناء أحداث الانتفاضة الأولى على يد جيش الاحتلال، كما قُتل 160 إسرائيليّا على يد الفلسطينيين. بالإضافة إلى مقتل 1000 فلسطيني، كانوا متعاونين مع الاحتلال الصهيوني.

في اليوم التالي وخلال جنازة الضحايا اندلع احتجاج عفوي قامت الحشود خلاله بإلقاء الحجارة على موقع للجيش الإسرائيلي بجباليا-البلد فقام الجنود بإطلاق النار دون أن يؤثر ذلك على الحشود. وأمام ما تعرض له من وابل الحجارة وكوكتيل المولوتوف طلب الجيش الإسرائيلي الدعم. وهو ما شكل أول شرارة للانتفاضة. ولكن هذه الحادثة كانت مجرد القشة التي قصمت ظهر البعير، لأن الانتفاضة اندلعت بعد ذلك بسبب تضافر عدة أسباب.

تمثلت الأسباب التاريخية للانتفاضة في الاحتلال منذ عام 1948، وما تبعه من تشريد وتهجير قسري وممارسات العنف المستمرّة والإهانات والأوضاع غير المستقرّة في المنطقة، كذلك تردّي الأوضاع الاقتصادية، وهو ما ظهر بعد حرب الأيام الستة وفتح باب العمل داخل الأراض المحتلة مما سمح للاقتصاد المحلي بأن يتطور، لكن سرعان ما تدهورت الأوضاع، إذ بدأ الفلسطينيون يتجرعون إذلالات يومية وبدأت ظروف العمل تتدهور، كما عوقب الفلسطينيين بالتمييز في الأجور عن الصهاينة، حيث كانت أجورهم أقل، وأحيانا يتم طردهم من العمل دون حصولهم على الأجر، وكان الفلسطيني مطالبا بتصاريح للتنقل من الصعب الحصول عليها، بالإضافة إلى عمليات التفتيش اليومية التي يتعرضون لها في بيوتهم، وكان يتم كذلك خصم 20% من المرتبات على أساس أنها ستصرف على الضفة والقطاع ولكن بدل ذلك كانت تمول المصاريف العامة الإسرائيلية.

وكان لاحتلال القدس سنة 1967، وإعلان الاحتلال الصهوني أنها عاصمة أبدية له، وتقنين الدخول إلى الحرم الشريف وأماكن العبادة الإسلامية، والاستيلاء على عدد من الأراضي لترسيخ فكرة القدس كعاصمة غير قابلة للتقسيم من خلال بناء المستوطنات بها. كل ذلك كان من الأسباب البعيدة للانتفاضة.

وحسب ما ذكر في كتب تاريخية كثيرو، وسجلته “ويكبيديا”، لم يكن القادة العرب يأبهون بما كان يحدث للفلسطينيين- بعكس المثقفين والشعوب العربية- وهو ما كان وراء خيبة هؤلاء من القمم العربية التي كان تضع القضية الفلسطينية في آخر اعتباراتها، وحتى عندما تناقشها فلم تكن تقدم لها أية حلول.

اجتمع عدد من العسكريين الصهاينة في موقع جباليا، الذي هاجمته الحشود الفلسطينية خلال الجنازة. وأمام حجم حركة الاحتجاج طلب الاحتياطيون الدعم، لكن المشرف على الإقليم رد بأنه لن يحصل أي شيء، وأضاف بأن الحياة ستعود إلى طبيعتها في الغد ولم يتم القيام بطلب أي دعم أو إعلان حظر تجول.

لم تهدأ الاضطرابات في اليوم الموالي، ورفض أغلب السكان التوجه إلى أماكن عملهم كما قام طلبة الجامعة الإسلامية في غزة بالتجول في الشوارع داعين الناس إلى الثورة. في حين أراد أفراد الجيش استعمال القوة لتفريق الحشود ولكنهم وجدوا أنفسهم تحت وابل من الحجارة. وقد تمكن بعض الشبان الفلسطينيين من الصعود على السيارات العسكرية وهو ما كان يرعب سائقيها فيزيدون في السرعة. وقد تم رمي ثلاثة زجاجات حارقة أصابت اثنتان منها الهدف واشتعلت النار في إحدى السيارات العسكرية. وبعدما تبين أن إطلاق النار في الهواء لا يؤثر على الحشود الهائجة، أمر الملازم عوفر بإطلاق النار على أرجل كل من يقترب. وعندما وصل إسحاق موردخاي المسؤول عن منطقة الجنوب إلى موقع الجيش قام بعزل عوفر من مهامه بسبب قناعته أن المواجهة بين الجيش الإسرائيلي من جهة والحشود الفلسطينية من جهة أخرى هي سبب الاضطرابات في قطاع غزة.

توجه إسحق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى نيويورك، في اليوم الثالث للانتفاضة، دون أن يأخذ أي إجراءات لمواجهة الانتفاضة. وفي غيابه قام إسحق شامير بمهام وزير الدفاع رغم كونه لم يعمل في هذا المنصب من قبل. كما أن رئيس الأركان في تلك الفترة كان حديث عهد بمنصبه ولم تكن له خبرة في مواجهة الثورات الفلسطينية.

سمحت هذه الظروف بانتقال الانتفاضة من قطاع غزة إلى نابلس ومخيم بلاطة ومن ثم انتشرت إلى بقية أنحاء الضفة الغربية.

عند وصول رابين إلى نيويورك تحدث وزير الدفاع الأمريكي عن الانتفاضة بإيجاز مما كان يدل على أن البعثة الإسرائيلية لم تكن تهتم بما كان يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة. يضاف إلى ذلك أن الفريق المكلف بنقل الأخبار إلى رابين كان قليل الخبرة فلم يكن رابين مهتما بما يجرى وكان شغله الشاغل أن يتم صفقة شراء أسلحة.

وعند عودته، لم يكن رابين يعلم الكثير عما يحدث وقام بعقد ندوة صحفية في المطار أكد خلالها أن إيران وسوريا تقفان وراء اندلاع الانتفاضة. فارتكب بذلك خطأ شنيعا، حسب المراقبين، لأن تصريحه كان يتعارض مع تصريحات شامير الذي حمل منظمة التحرير مسؤولية ما يحدث، كما أن المراقبين أجمعوا بأن الانتفاضة كانت عفوية ولم يكن يقف وراءها أحد.

بعنجهية شديدة، قال رابين، خلال كلمة في الكنيست الإسرائيلي: “سنفرض القانون والنظام في الأراضي المحتلة، حتى ولو كان يجب المعاناة لفعل ذلك”. وأضاف قائلاً “سنكسر أيديهم وأرجلهم لو توجب ذلك”.

وصلت الانتفاضة إلى أعلى مستوى لها في شهر فبراير، عندما نشر مصور صهيوني صور جنود يكسرون أذرع فلسطينيين عزل باستحدام الحجارة في نابلس، عملاً بما هدد به رابين. ودارت تلك الصور حول العالم مما أثار مشاعر التعاطف مع الفلسطينيين. أما إسرائيل فقد قامت بسياسة لتهميش منظمة التحرير والإيقاع بين حركة حماس والفصائل الأخرى.

جيش الاحتلال بحرس الحدود من أجل إخماد الثورة الشعبية. ويُعرف عن حرس الحدود كونهم قادرين على التحكم بالحشود الضخمة كما يُعرفون بعنفهم. ثم أن متوسط أعمارهم يترواح بين 35 و 40 سنة ولديهم بالتالي خبرة كبيرة.

تم اللجوء أولا إلى اللوائين رقمي 20 و21، الذين قاما بمراقبة الحدود بين إسرائيل ولبنان، خلال غزو لبنان عام 1982، لكن تدخل حرس الحدود لم يغير شيئا على أرض الواقع. ومما صعب مهمتها أنه لم يكن يسمح لهم بإطلاق النار إلا إذا هوجموا من قبل أشخاص تزيد أعمارهم عن 12 سنة. ثم أن الرصاص يُطلق أولا على ارتفاع 60 درجة، وفي حالة الخطر يطلق على الأرجل. ولكن هذه القواعد لم تحترم في أغلب الأحيان.

أعلنت الحكومة الصهيونية، في أكتوبر 1988، عن وجود وحدتين جديدتين في القطاع والضفة الغربية، متكونتين من أشخاص يتقنون العربية ومتخفين في ملابس مدنية، وتتلخص مهتهم في التغلغل داخل المقاومة الفلسطينية.

استخدم الفلسطينيون سلاح العصيان المدني، ونظموا المظاهرات، ورشق الأطفال والشباب الجنود بالحجارة، وأقاموا حواجز من عجلات مشتعلة، وتجمعوا حول الجوامع، في تحدي واضح للإجراءات الأمنية التي كانت تتخذ ضدهم. وقد استعملت مكبرات الصوت لدعوة السكان إلى التظاهر كما كانت توزع المنشورات ويتم الكتابة على الجدران للثورة ضد جيش الاحتلال الصهيوني.

وزع الأطفال، الذين لم يتجاوز عمرهم 7 سنوات، المنشورات عند مداخل المساجد، أو كان يتم إلقاؤها من نوافذ السيارات قبل طلوع الشمس، ويتم تمريرها من تحت الأبواب، كشكل من أنواع الإعلام البديل، بسبب تشديد دائرة الرقابة على الوسائل الإعلام التي لم تستطيع الوصول إلى الرأي العام الفلسطيني وأيضا مضايقات واعتقال للصحفيين. قامت إسرائيل أولا باتباع سياسة تعسفية من خلال الضرب والإيقاف من دون المحاكمة والتعذيب إلى جانب إغلاق الجامعات والعقوبات الاقتصادية وبناء المستوطنات. وقد أدت صور الجيش الإسرائيلي وهو يعتدي على الفلسطينيين إلى تعاطف دولي مع قضيتهم ونجح ياسر عرفات في استغلال هذا الموقف من أجل التقدم بالقضية الفلسطينية.

نشأت لجان محلية داخل المخيمات عملت على تنظيم الغضب غير المسلح للشارع الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني المسلح والشد من أزره والتقريب بين صفوفه وذلك عن طريق توفير المؤونة والتعليم والأدوية وباقي الخدمات الضرورية للمخيمات والمناطق التي يطبق فيها حظر التجول.

اشتغلت هذه اللجان في البداية بشكل مستقل ولكن سرعان ما توحدت في هيئة تضم فتح والجبهتين الشعبية والديمقراطية والحزب الشيوعي وكانت لهذه الهيئة علاقات تنظيمية مع منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت حينئذ تتخذ من تونس مقرا رئيسيا لها.

طالبت هذه الفصائل بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة وبالانسحاب الإسرائيلي خارج حدود عام 1967. واستمرت الانتفاضة إلى غاية سنة 1993 تاريخ التوقيع على اتفاقية أوسلو. كما ساهمت هذه الانتفاضة في نشوء حركة حماس الداعم القوي لها التي أعلنت عن نفسها عام 1987.

سعى الفلسطينيون عبر الانتفاضة إلى تحقيق عدة أهداف يمكن تقسيمها إلى ثوابت فلسطينية ومطالب وطنية:

*إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس وتمكين الفلسطينيين من تقرير مصيره.

*عودة اللاجئين دون قيد أو شرط.

*تقوية الاقتصاد الفلسطيني: تمهيدا للانفصال عن الاقتصاد الصهيوني.

*إخلاء سبيل الأسرى الفلسطينيين والعرب من السجون الإسرائيلية.

*وقف المحاكمات العسكرية الصورية والاعتقالات الإدارية السياسية والإبعاد والترحيل الفردي والجماعي للمواطنين والنشطاء الفلسطينيين.

*لم شمل العائلات الفلسطينية من الداخل والخارج.

*وقف فرض الضرائب الباهظة على المواطنين والتجار الفلسطينيين.

*وقف حل هيئات الحكم المحلي المنتخبة من مجالس بلدية وقروية ولجان مخيمات.

*إتاحة المجال أمام تنظيم انتخابات محلية ديموقراطية للمؤسسات في البلاد.

*وقف ارتكاب ما يتعارض مع العادات الفلسطينية.

شهدت الانتفاضة عددا من العمليات ضد الأهداف الإسرائيلية مثل عملية ديمونا بالنقب عام 1988، حينما تمت مهاجمة حافلة تقل عاملين متوجهين إلى مفاعل ديمونة. كان يتم كذلك اختطاف جنود يهود لمبادلة أسرى بهم، وملاحقة وقتل العملاء وسماسرة الأراضي فرديا وجماعيا. عرفت الانتفاضة ظاهرة حرب السكاكين، إذ كان الفلسطينيون يهاجمون الجنود والمستوطينين الاسرئيليين بالسكاكين ويطعنونهم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *