إبراهيم عوض يكتب: العمال المصريون في الخارج

أثار اعتداء مواطن كويتي على عامل مصري في الكويت في الأسبوع الأخير من شهر يوليو الماضي، وما اكتنفه من إهانة، موجة من الغضب بين المصريين على مواقع التواصل الاجتماعي ورأى البعض في الاعتداء تعبيرا عن موقف عدائي تجاه اليد العاملة المصرية في الكويت، رابطين بينه وبين تصريحات صادرة عن عضو فى مجلس الأمة الكويتي دأبت في السنوات الأخيرة على مهاجمة كل اليد العاملة المهاجرة في الكويت، وخاصةً المصرية منها. وإن تمنينا ألا يقع مثل هذا الاعتداء المؤسف، فبعد التعليق عليه وإبداء بعض الملحوظات التي يثيرها، هو فرصة لمناقشة مسألة اليد العاملة المصرية المهاجرة للعمل بالخارج بشكل عام.

***

أول ما يقال هو أنه ينبغي التحوط من نسبة أي فعل يقوم به شخص أو مجموعة بل مجموعات من الأشخاص إلى كل الشعب الذى ينتمون إليه أو إلى بلدهم. هذا وللأسف منظور يعتنقه الكثيرون في بلادنا. لا الشعوب ولا البلدان كتلٌ مصمتة، بل هي متنوعةٌ ومتعددة التركيب. إن كان فى الكويت، أو في غيرها، مجموعات تناصب المصريين، والعمال المهاجرين عامة، العداء، فإن فيها مجموعات أخرى كثيرة ترحب بالمصريين وبغيرهم وتقدّر ما ساهمت وتسهم به عقولهم وسواعدهم في البناء وفى التنمية في بلدانهم. لعل في ردود الفعل الكويتية واسعة النطاق المستنكرة للاعتداء على العامل المصري وفى قبض السلطات الكويتية على مرتكبه وفى إشادة مواطنين ومثقفين كويتيين مثلا بذكرى الدكتور عثمان خليل عثمان، مستشار الجمعية التأسيسية الكويتية وصائغ الدستور الكويتي لسنة 1962، بينات على ذلك. ثلاث ملحوظات إضافية ضرورية في هذا الصدد. الأولى هي أن على الحكومة المصرية مسئولية أساسية فى حماية العمال المصريين والدفاع عن حقوقهم وتأمين شروط وظروف للعمل اللائق بهم ولهم. أول أوجه هذه المسئولية يقع على وزارة القوى العاملة التي تفحص عقود عمل العمال في الخارج وتصادق عليها، وهى الوزارة التي ترسل إلى بلدان الاستخدام مستشارين عماليين لرعاية اليد العاملة المصرية ولتوليد الطلب عليها وكذلك لتأمين علاقات عمّالية مستقرة ومتوازنة بين مصر وبلدان الاستقبال. وإن كانت إمكانيات الوزارة في هذا الصدد، بما في ذلك مخصصات مكاتب المستشارين العمّاليين، غير كافية فإنه ينبغي زيادتها زيادة ملموسة حتى تتناسب مع المساهمات الهائلة للعمال المصريين في الخارج في الاقتصاد والمجتمع المصرييْن، وهو ما سنعود إليه فيما بعد. وجليّ بالطبع أن على الخدمات القنصلية في السفارات المصرية أدورا هامة تلعبها في الدفاع عن المواطنين المصريين وحمايتهم، كما أن أي جهود تبذلها في هذا الصدد وزارة الهجرة والمصريين في الخارج هي جهود مشكورة. الملحوظة الثانية هي أنه ينبغي أن يركِّز الخطاب حول الهجرة من أجل العمل على مساهمات العمال المهاجرين عموما في البلدان التي يعملون فيها وهى مساهمات تتباين أهميتها حسب البنية الاقتصادية وحجم السكان والقوى العاملة الوطنية في بلدان الاستقبال. في البلدان ذات أحجام السكان والقوى العاملة المنخفضة مثل بلدان الخليج فإن العمال المهاجرين لا يسهمون فقط في إنتاج السلع أو الخدمات، والتي لا يمكن أن تدور عجلته من غيرهم، وإنما هم كذلك مستهلكون وسكان يوسعون من حجم الاقتصاد ويزيدون من الوزن السياسي للبلد الذى يعيشون فيه. تصور بلدا من خمسة أو آخر من ثمانية ملايين من السكان لو اقتصر سكانه على المليون من المواطنين في أي منهما. تصوّر كم ينخفض الوزن الاقتصادي أو السياسي لهذين البلدين. تبقى الملحوظة الثالثة وهى أنه لا ينبغي أن ينسب إلى مجموعات في الكويت أو في أي من بلدان الخليج وحدها المواقف المناوئة للمهاجرين وخطابات الكراهية إزاء غير المواطنين. للأسف مثل هذه المواقف والخطابات انتشرت بفعل زيادة الوزن النسبي للاتجاهات والأحزاب السياسية الشعبوية في البلدان المتقدمة والنامية معا. ومن الأسف أنها موجودة كذلك عندنا في مصر، وشاهدٌ عليها الحملات بين الحين والآخر على اللاجئين السوريين في مصر أو على اللاجئين والمهاجرين من بلدان أخرى في قارتنا الأفريقية.

***

من حادثة الكويت والملحوظات التي أثارتها، ننتقل إلى السياق الأوسع لهجرة العمال المصريين من أجل العمل بالخارج. التقديرات بشأن حجم الهجرة الخارجية المصرية تتباين بين الأرقام الرسمية المصرية، من جانب، وأرقام بلدان الاستقبال، من جانب ثانٍ، وحسابات الخبراء المختصين، من جانب ثالث. إن أخذنا بأقل التقديرات، وهى تقديرات الخبراء المختصين التى ترجع إلى سنة 2015، فإن حجم الهجرة المصرية فى البلدان العربية يصل إلى حوالى 3,5 مليون. ولأن الهجرة المصرية إلى البلدان العربية فى أغلبيتها الساحقة هجرة عمال ذكور لا تصاحبهم عائلاتهم، فإنه يمكن اعتبار أن الثلاثة ملايين ونصف المليون هم جميعا عمال مهاجرون من أجل العمل. هؤلاء العمال يمثلون 12 فى المائة من قوة العمل المصرية التى يبلغ حجمها 30 مليونا فى الوقت الحالى. هذه الحسبة البسيطة تعطيك فكرة عن أهمية الهجرة من أجل العمل فى الخليج وفى الأردن وفى السابق فى ليبيا بالنسبة لسوق العمل المصرية. العمال المشتغلون بالخارج يخففون من الضغوط عليها وإن كانوا لا يفلحون فى تخليصها منها، فالبطالة السافرة والكاملة ما زالت نصيب ثلاثة ملايين عامل مصرى على الأقل ناهيك عن التشغيل المنقوص المستشرى فى القطاع غير المنظم وعن الفقر الذى يؤدى إليه. العمال المهاجرون المصريون لم يخففوا فقط من الضغوط على سوق العمل المصرية. تحويلاتهم المالية إلى مصر قاربت فى العام الماضى السبعة والعشرين مليار دولار، مثلت 9 فى المائة من الناتج المحلى الإجمالي. بعد تراجع السياحة، تحويلات العمال المصريين هي المصدر الأول للعملة الأجنبية يرفدون بها الاقتصاد المصري فينشطونه ويساهمون في موازنة ميزان الحساب الجاري، فضلا عن تخفيف الفقر عن ذويهم وتلبية احتياجاتهم المعيشية المباشرة، والمساهمة في التنمية البشرية عن طريق تمويل كل من تعليم أبنائهم وبناتهم وأخواتهم والرعاية الصحية لأسرهم. هذه التحويلات هي التي تبرر ما أشير إليه أعلاه عن ضرورة زيادة مخصصات حماية العمال المصريين في الخارج وتأمين شروط العمل اللائق وظروفه لهم.

الصورة المبسطة لما يقوم به العمال المصريون في الخارج تدعو إلى الاحتفاء بهم، ولعل نصبا يشيّد يوما تكريما لهم أو متحفا يخصص للهجرة المصرية يحكى قصة الانتقال المصري إلى البلدان العربية الشقيقة منذ كان في شكل المعونة الفنية كتلك التي قدمها مثلا الدكتور عبدالرزاق السنهوري في العراق في الثلاثينيات من القرن العشرين وحتى الهجرة واسعة النطاق من أجل العمل والممتدة لما يقرب من خمسين عاما منذ منتصف السبعينيات من القرن المنصرم. أما الصورة نفسها فلا بدّ من تفحصها جيدا والعمل على تبديلها لأنها لا يمكن أن تستمر على ما هي عليه بل ولا ينبغي ذلك.

إن نسبة 9 في المائة من الناتج المحلى الإجمالي التي تمثلها تحويلات العمال المصريين في الخارج نسبة عالية لا يمكن السكوت عليها، وهى بمثابة اعتماد مبالغ فيه على الهجرة الخارجية تعرض الاقتصاد لهزات وأخطار في حالة تعرض اقتصادات بلدان الاستقبال للصدمات مثلما يحدث في الوقت الحالي نتيجة لآثار الوباء العالمي ولانهيار أسعار النفط. قارن بالهند مثلا، أول بلد تلقيا للتحويلات التي بلغت 83 مليار دولار في العام الماضي ولكنها لم تمثل إلا 2,8 في المائة من الناتج المحلى الإجمالي. صحيح في المقابل ولحسن الحظ أن نسبة التحويلات إلى الناتج المحلى الإجمالي لم تصل في مصر إلى مستوياتها المزعجة في بعض البلدان مثل طاجيكستان حيث بلغت 40 في المائة، وهى مستويات لا تعرض الاقتصادات للهزات فقط بل إنها تقيد من حرية البلدان المعنية في صوغ سياساتها الخارجية.

ما يقال عن الوزن النسبي للتحويلات ينطبق على التخفيف من الضغوط على سوق العمل. لا يمكن الاعتماد على أسواق العمل الخارجية في حل مسألة التشغيل في مصر على المدين المتوسط والبعيد، خاصةً وأن هذه الأسواق لم تستطع لا في الماضي ولا في الحاضر أن تحلها. هي كانت ولا تزال مسكنات لها. حتى وإن تم التغلب على الوباء العالمي في خلال السنة القادمة فإن انخفاض أسعار النفط كان سابقا عليه وثمة مؤشرات على أنه سيستمر بعده. وبما أن إيرادات النفط هى بشكل مباشر أو غير مباشر المحدد الرئيسي، إن لم يكن الوحيد، للطلب على اليد العاملة، فإن هذا الطلب مرشح للتراجع في السنوات القادمة وهو ما لا بدّ أن يؤثر على اليد العاملة المصرية الموجودة فعلا في الخارج وتلك التي كان يمكن أن تهاجر من أجل العمل. ولقد رجعت بالفعل إلى بلادها، بما في ذلك إلى مصر، أعداد من العمال المهاجرين في الأشهر الأخيرة. فإن أضفت إلى ذلك المعدل السنوي المرتفع لنمو القوى العاملة المصرية، فإنك تصل تلقائيا إلى أن حلّ مسألة التشغيل في مصر وتوازن سوق العمل فيها لا يمكن أن يستمر في الاعتماد على الأسواق الخارجية.

***                                   

هجرة العمال المصريين من أجل العمل بالخارج تثير موضوع حمايتهم والدفاع عن حقوقهم، ولكنها في أساسها مسألة تشغيل، تحتاج إلى سياسة تشغيل وطنية متكاملة لا تكون أسواق العمل الخارجية إلا فصلا متواضعا فيها. بتخفيضها للاعتماد على الأسواق الخارجية ستسهم هذه السياسة في إعادة التوازن إلى العلاقات بين الدول في المنطقة العربية، وهذا في حد ذاته هدف سياسي حميد.

الكاتب أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة

نقلا عن “الشروق” المصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *