شيء يستحق أن يحتفل به الأوروبيون – هل بدأ ظهور عقد اجتماعي جديد؟

بقلم: ترجمة جهود

كشف كوفيد 19 عن أوجه القصور في العديد من الشركات التي تنكر المسؤولية عن عمالها، فهي تستخدم الملاذات الضريبية ولم يتبقى لديها احتياطيات تشغيلية لاحترام الأجور وطلبات سلسلة التوريد بسبب عمليات إعادة شراء الأسهم.

اضطلع ديدييه رايندرز مفوض العدل الأوروبي هذا الأسبوع بدور قيادي هام تجاه إنشاء إطار للسلوك التجاري المسؤول. فأعلن عن مبادرة تشريعية جديدة لضمان عمل الشركات لمنع وتقليل أي آثار سلبية على العمال والجماعات في عملهم ودعم سلاسل التوريد من خلال العناية الواجبة الإلزامية.

جاء هذا البيان وسط تصاعد معاناة العمال التي لا داعي لها إثر جائحة كورونا. هذا هو نوع القيادة السياسية والاقتصادية التي يحتاجها العالم بعد انهيار الثقة العامة في الأسواق العالمية التي أثارتها الأزمة الاقتصادية العالمية لعام 2008 ويحتاجها اﻵن أيضاً لحجم التحدي الاقتصادي غير المحدود من أجل تعافي الاقتصاد من الوباء. وأكد المفوض رايندرز أنه يجب ألا يكون هناك تأخير أو تأجيل – لأن الوباء الحالي جعل العناية الواجبة بحقوق الإنسان أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، وهو جزء أساسي من التعافي الفعال والعادل.

يأتي هذا الإعلان بعد سنوات من الدعوات إلى هذا التشريع من قبل المجتمع المدني والنقابات العمالية الأوروبية والدولية والشركات المسؤولة والمستثمرين والوزارات الحكومية في ألمانيا وفنلندا والبرلمانيين، كما هو الحال في فرنسا حيث يوجد قانون متعلق بواجب اليقظة. من المتوقع أن يحصل المفوض رايندرز على دعم كبير ومتنوع خلال العام المقبل إذا حافظ على التزامه بوضع التشريعات الفعالة والواجبات الملزمة والعقوبات النافذة والمسؤولية والوصول إلى العدالة، بجانب الانخراط الضروري للعمال والنقابات والمجتمعات المتضررة.

من ناحية أخرى، فإنه من الضروري أن يقاوم صانعو السياسة المقاومة الشديدة من أصحاب المصالح الذين سيصدرون التحذيرات الصارمة حول كيف أن هذا التشريع هو “تكلفة للأعمال” التي ستبطئ من التعافي الاقتصادي. ومثلما يظهر الدعم الأوروبي من قبل الشركات المسؤولة والمستثمرين، فإن العناية الواجبة بحقوق الإنسان والسلوك التجاري المسؤول هي دفعة رئيسية للأعمال المستدامة التي يمكن أن تسهم في تحقيق الرخاء والأمن المشترك.

فهي تخلق مساحة متساوية للجميع وتمنع الشركات غير المسؤولة وغير الدقيقة من التحايل عليها من خلال الإلقاء بالعبء المادي الاجتماعي (انتهاك حقوق العاملين) والبيئي (التلوث) خارجها. ولا غرابة في أن يفوق أداء المحافظ الاستثمارية للشركات المسؤولة على غيرها باستمرار، وقد حافظت على هذه الميزة في الربع الأول من عام 2020 تحت الوباء.

يتعامل كل من الاتحاد الدولي لنقابات العمال ومركز موارد الأعمال وحقوق الإنسان على حد سواء مع مئات من الادعاءات الشعبية بانتهاك الشركات لحقوق الإنسان كل عام. وقد تضاعف هذا الأمر عدة مرات بسبب الوباء حيث يواجه ملايين العمال – ومن ضمنهم العديد من النساء والمهاجرين – الفقر المدقع بسبب عدم دفع أجورهم، وعدم دفع تعويضات نهاية الخدمة، وتوقيف النقابات، وعدم وجود ضمان اجتماعي بعد الإلغاء الكبير لطلبات العلامات التجارية العالمية، على سبيل المثال .

في الأسبوعين الماضيين فقط، شمل ذلك مليوني عامل في بنجلاديش تم تسريحهم، مع احتجاجات على الجوع والأجور غير المدفوعة؛ وعودة عمال سلسلة التوريد المحبطين إلى المصانع لتفادي العوز والحاجة، بالرغم من عدم وجود تدابير حماية مناسبة؛ ويدّعي عمال مستودع أمازون أنهم طُردوا احتجاجًا على عدم كفاية الحماية للعاملين من عدوى كوفيد 19. وقد نفت أمازون هذه الادعاءات.

إذن كيف يمكن للتشريع الذي اقترحه المفوض رايندرز أن يساعد في إنهاء هذه الانتهاكات؟ إن التزام العناية الواجبة من قبل الشركات والمستثمرين فيما يتعلق بحقوق الإنسان، بما في ذلك حقوق العمال والتأثير البيئي، ستساعد على منع الشركات غير المسؤولة من التسبب في ضرر لا داعي له من خلال زيادة مخاطرها بشكل كبير من الإهمال أو السلوك عديم الضمير.

كان المفوض رايندرز صريحًا في أن هذا القانون سيكون له عقوبات على الانتهاك وسوء المعاملة حيث قال: “إن اللائحة التي بدون عقوبات ليست لائحة”. فيجب أن تحتوي لوائح العناية الواجبة الفعالة على بنود للعقوبات وإطارًا قويًا للمسؤولية وإمكانية وصول الضحايا للعدالة. وهذا من شأنه أن يغير من طرق تقييم المخاطر القانونية بشكل أساسي في مجالس الإدارة في مختلف أنحاء أوروبا.

وللمرة الأولى، سيتعين على جميع الشركات والمستثمرين الرئيسيين إثبات أنهم اتخذوا إجراءات لتحديد المخاطر البيئية والاجتماعية وحقوق الإنسان، والتدابير الوقائية، أو يمكنهم توقع تنفيذ القانون بكامل قوته عندما تسوء الأمور.

إن الشركات المسؤولة والمستثمرين ليس لديهم ما يخشونه، ويكسبون الكثير من خلال استبعاد المنافسة غير العادلة من الشركات المنافسة غير المسؤولة. لكن تلك الشركات التي تسيء معاملة العمال في مصانعهم وحقولهم ومكاتبهم وسلاسل التوريد؛ تلك التي تلوث بيئتنا وتفلت من العقاب؛ وأولئك الذين يربحون من خلال الكسب غير المشروع والفساد فهناك الكثير ليخشونه.

ولهذا السبب، أصدرت جمعية الأعمال الهولندية “مفو”، والتي تمثل 2000 شركة هولندية، بيانًا الأسبوع الماضي لدعم العناية الواجبة الإلزامية. وقد وقّع في الأسبوعين الماضيين 105 من المستثمرين الدوليين بأصول خاضعة للإدارة بقيمة 5 تريليون دولار أمريكي على “حالة المستثمر في العناية الواجبة الإلزامية لحقوق الإنسان”. هناك بيانات مماثلة حول دعم الشركات الواسع للعناية الواجبة في ألمانيا وفنلندا وسويسرا.

وقد عمل الاتحاد الدولي لنقابات العمال ومركز موارد الأعمال وحقوق الإنسان كجزء من التحالف المتعدد لهذا التشريع، بقيادة التحالف الأوروبي لعدالة الشركات، والنقابات العمالية لتخطي القوانين التي تفرض الشفافية. فالشفافية هي شرط ضروري ولكن غير كاف لتغيير سلوك الغالبية العظمى لقادة الشركات، الذين يفسرون واجباتهم الائتمانية على أنها تعظيم لعائدات المساهمين، مع تعزيز التعويض التنفيذي.

يجد معدل حقوق الإنسان للشركات أن 50٪ من أكبر الشركات في القطاعات الأكثر عرضة للخطر مثل الملابس، والزراعة، والتعدين، يحصلون على درجة صفر في جميع مؤشرات العناية الواجبة بحقوق الإنسان.

فيما يتعلق بالعمل القسري (السخرة)، وجدت شركة “تعرف على السلسة (KnowTheChain)” أن أكبر 119 شركة في ثلاثة قطاعات عالية المخاطر يسجلون في المتوسط معدلاً ضعيفًا وهو 33/100 في جهودهم لمعالجة مخاطر العمل القسري في سلاسل التوريد، بجانب وجود فجوة هائلة بين السياسات والأدلة على أي تنفيذ.

توضح الدراسة الأساسية للمفوض رايندرز من قبل المعهد البريطاني للقانون الدولي والمقارن بشكل قاطع الفوائد التي تعود على المجتمع والشركات إثر هذا التشريع. وفي الوقت نفسه، تفوقت الشركات التي كانت تدعم عمالها على أداء أقرانها خلال أزمة كوفيد 19، وستكون في وضع أفضل بكثير بعد الأزمة.

لذلك، قمنا مع حلفائنا في جميع أنحاء أوروبا بالدفاع عن هذا التشريع الجديد في أوروبا ومختلف أنحاء العالم. وستكون السنة القادمة حاسمة. أولاً، نحتاج إلى مواصلة بناء الحركة في جميع أنحاء أوروبا، خاصةً مع فرصة الرئاسة الألمانية لمجلس الاتحاد الأوروبي اعتبارًا من يوليو. يجب أن نقوم بتعزيز أسس قوية لاتخاذ إجراءات جريئة من أجل تعافي عادل من الوباء الذي “يعيد البناء بشكل أفضل”، كما قال الأمين العام للأمم المتحدة.

نحتاج إلى أصوات متعددة يمكنها معًا مواجهة نداءات العودة السريعة إلى “العمل المعتاد” – كما في الماضي حيث تشكلت أزمتي عدم المساواة الصارخة في الأسواق، وانهيار المناخ، بالإضافة إلى الوباء. يجب أن نسعى أيضًا للعمل مع الحلفاء في جميع أنحاء العالم للمساعدة في بناء حركة عالمية كجزء من الجهود المبذولة لإنشاء عقد اجتماعي جديد، وصفقات خضراء جديدة.

ثانيًا، نحتاج إلى بناء وفاق قوي حول العناصر الأساسية لجعل هذا التشريع فعالاً وبارعًا قدر الإمكان لبناء رخاء مشترك من أزماتنا الحالية. نحتاج أن نطلب من المفوض رايندرز وفريقه العمل بسرعة على ضمان أن الشركات والمؤسسات المالية تقوم باحترام المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وحماية البيئة ومكافحة الفساد، على النحو المعبر عنه في المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة والمبادئ التوجيهية لمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي للشركات متعددة الجنسيات.

إن وضع التوجيهات يمكّن العمال والمجتمعات من محاربة انتهاكات حقوق الإنسان. وينبغي أن تضمن تلك التوجيهات المشاركة الكاملة للنقابات وممثلي العمال والمجتمع في عملية العناية الواجبة. كما يجب عليهم إنشاء آليات إشراف وإنفاذ قانونية لضمان التنفيذ، والعقوبات عند تجاهلها، ووصول العمال والمجتمعات إلى العدالة، التي يساء استخدامها من قبل الشركات غير المسؤولة.

يجب أن تكون الشركات مسؤولة عن آثار عملها. يجب إدخال المسؤولية في الحالات التي تفشل فيها الشركات في احترام التزامات العناية الواجبة، دون الإخلال بأطر المسؤولية المشتركة والمتعددة.

ويجب أن يشمل ذلك جميع الشركات والقطاعات الخاصة والعامة. من الضروري أن ينطبق هذا أيضًا على شركات الاتحاد الأوروبي والشركات من خارج الاتحاد الأوروبي التي لديها أعمال أو مبيعات للمنتجات والخدمات داخل الاتحاد الأوروبي. قالت الشركات المسؤولة أنها تتوقع فوائد كبيرة إذا كانت اللوائح الجديدة للاتحاد الأوروبي تخلق معايير أكثر مساواة للموردين من الاتحاد الأوروبي وغير الأوروبيين.

يمثل العام المقبل فرصة هائلة لوضع حقوق الإنسان والانتقال العادل إلى اقتصاد منخفض الكربون في صميم سلوك العمل المسؤول. يجب أن تشمل خطط التعافي من الوباء تحديات الصحة العامة والتأهب، وكذلك التصدي لعدم المساواة وزيادة الانتباه للانهيار المناخي. يعدّ إعلان المفوض رايندرز خطوة حاسمة في الاتجاه الصحيح – نحو عقد اجتماعي جديد وعالم أكثر عدلاً واستدامة. الآن يجب على الحكومات الأخرى أن تحذو حذوها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *