محمد حبوشه يكتب: البدري فرغلي أيقونة النضال الوطني

رحل آخر أيقونات النضال الوطني المصري حاملا على أكتافه أعباء الملايين ممن جار عليهم الزمن، إلا من وقفاته شديدة البأس محاربا ومقاتلا في الحق، رغم أنه عاش بالأساس حياة قاسية متخمة بالمآسي والأحزان التي تنوء عن حملها الجبال .. رحل البدرى فرغلى تاركا وراء ظهره تاريخا طويلا من النضال وقناطير من الكرامة وعزة النفس، ودعوات تنير قبره من جانب الغلابة الذين أنصفهم ووقف إلى جوارهم في استرداد حقوقهم المسلوبة بفعل روتيني عقيم، ولما لا وهو الذي بكى ذات مرة معهم وضحك لانتصاراتهم المتواضعة، وظل طويلا يكفكف دموعهم، ومن ثم فقد استحق أن ينال دعواتهم وهو ينطلق بروح خفيفة إلى الدار الآخرة في جنازة مهيبة تشبة وداع العظماء في تاريخ هذه الأمة.

وحيث لا ينفع اليوم مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، فقد كان قلب البدرى فرغلى الأبيض يشبه ذلك الثوب الذي كان يرتديه كل أهالى بورسعيد والغلابة الذين جاءوا من كل محافظات مصر ليخرجوا وراء جنازته في مشهد وداعي مهيب يليق به، وليكتبوا على قبره بحروف من نور: هنا يرقد مناضل شريف عاش فقيرا ومات فقيرا إلا من عطاء فياض في محبة البسطاء من أبناء هذا البلد، وترك وراءه ميراثا ثريا من عزة النفس التي لم تنل منها أصعب الأزمات والمواقف، وفوق كل ذلك تاريخ من النضال تركه لأسرة صالحة تتشرف باسمه، ومع ذلك يبقى موته لغزا غامضا عصيا على الفهم، وانتقال إلى المجهول ورحيل إلى عوالم أخرى لا تدركها البصيرة والأبصار.

تغدو كل محاولة جازف بها هذا الإنسان البسيط البدري فرغلي، طيلة حياته الممتدة ردحاً بعد ردح، والمتخمة بصراعات تبدو عبثية من فرط صدقيتها، مع غياهب الحياة تارة، أو مع أقرانه من بني البشر تارات أخرى في التمرد على مقدرات تلك الحياة الفانية، أو حتى التفكير بنسيانها من أجل التشبث بمغرياتها وجمالها ونشوة شبابها، وإن هى إلا مجرد أوهام لا طائل لها كما رسخ في عقيدته النضالية، وسرعان ما تتبخر مع قسوة تلك الحقيقة التي لا تعرف محبة أو حنين أمام الموت، حين يمثل ذلك المخلوق الضعيف المتناقض الذي يدعى الإنسان مسلوب الارادة أمام جبروت الموت المخيف وهو يشهر سلاح الفناء البغيض.

لمفهوم النضال تاريخ كبير في تجربة البدري فرغلي، السياسية والوطنية، ويمكننا أن نميز في تاريخه بين عدة أنماط للمناضل: فهو المناضل السياسي، و المناضل الثوري العقائدي، و المناضل الأيديولوجي، والمناضل السياسي عنده يشكل بداية انبثاق المفهوم، ففي المرحلة الأولى من حياته بدأ ظهور هذا المفهوم في التشكل مع البدايات الأولى للحركة الوطنية بأطيافها السياسية والأيديولوجية المختلفة في مقاومة الاستعمار، ومن الطيف الوطني إلى الطيف الإصلاحي مرورا بالطيف الاندماجي و انتهاء بالطيف اليساري كانت رحلته الطويلة مع النضال، ومن هنا، ظهرت الينابيع الأولى التي تمد هذا المفهوم بالحياة و ترسم بوضوح معالمه حياته النضالية الطويلة التي امدت إلى 74 عاما، عاشها بين الفقر والعوز وبين رسم ملامح الأمل والتفاؤل على وجه الحيارى والحزاني والمكلومين.

 لقد سار البدري فرغلى، ابن بور سعيد الذي ينتمي لأسرة رقيقة الحال عزيز النفس إلى أبعد الحدود، ما جعله واحد من أيقونات وطنية كبرى للنضال، وهى الأيقونات التي تتمرد على الزعيم السياسي، وترفض شخصنة النضال في فرد بعينه، وتقرر الذهاب إلى أقصى الرفض للواقع المفعم بالظلم والظلمات، ليكتمل عنده مفهوم المناضل الثوري العقائدي ويقدم أروع الأمثلة في التضحية بالنفس من أجل حقوق الآخرين، لقد كان نموذجا أسطوريا للمناضلين الثوريين العقائديين الحقيقيين، الذين آمنوا بفكرة العدل والحرية، ولم يترددوا لحظة في النضال بكل شجاعة و تجرد من الذات من أجل تجسيد فكرة العدل والمساواة على أرض الواقع، وصياغة تاريخ جديد مناقض للتاريخ المزيف جراء الظلم والجبروت.

بلغ مفهوم المناضل ذروته و اكتماله عند البدري فرغلي، واستقام مفهومه  تحددت ملامحه، و برهن المناضل الثوري على إرادته في تغيير التاريخ وصناعة إنسان جديد ورسم معالم مستقبل حر، وتقديم أبهى الصور في ممارسة النضال وتجاوز مرحلة الشعارات والخطابات من خلال الانخراط في عمل ثوري كبير تحت قبة البرلمان المصري خلال 4 دورات متتالية ولفترة طويلة من الزمن، ورغم وجوده أخيرا خارج القاعات الصاخبة بالتشريع وسن القوانين، فلم يبدأ العد التنازلي لهذا المناضل الثوري لأن منطق الثورة يختلف عن منطق السلطة بحسب مفهومه، ومع تجربة الدولة الوطنية ظهر مفهوم جديد للمناضل وهو المناضل الأيديولوجي الذي يحمل مشروع الدولة والمجتمع، ويعمل على تجسيد ذلك في الواقع كما تجلى في قضايا مع أصحاب المعاشات.

مع صدق الذات وصفاء وثبات على المبادئ أثبت البدري فرغلي، إن المواطن الحقيقي هو مناضل بالأساس، والنضال هو قيمة إنسانية نبيلة، فكل العظماء والأبطال والأنبياء هم بالأساس مناضلون، فالنضال يعني نكران الذات والتضحية من أجل إسعاد الآخرين والدفاع عن الأفكار السامية والقيم المثلى، والاتصاف بالصبر الطويل، كما كان يفعل تماما، فالعبقرية كما يقال صبر طويل، و لما كان عالم الإيمان بالفكرة لا حدود له عنده، فإن النضال بدوره لا حدود له في رحلته التي اتسعت وطالت عبر دروب الحياة ، و لذلك تبقي الحياة في مفهومه هى نضال طويل، فالمناضل الحقيقي لا مشروع له ما عدا النضال، و في حقل السياسة لا حديث عن عمل سياسي راق بدون تفعيل قيم النضال، و تحويلها من نظرية في المعرفة إلى نظرية في العمل والممارسة.

بدأ حياته بالمشاركة في المقاومة الشعبية وعمره 18 عاما، ولم تعرف حياته الرفاهية، وهو ما ذكره و تحدث به في أكثر من مناسبة، وقد استطرد في ذلك طويلا متحدثا عن قسوة مرحلة الطفولة والشباب، فهو ينتمي لأسرة فقيرة، بل وصفها من قبل أنها كانت تحت خط الفقر، وكان والده يعمل عاملا بالشحن والتفريغ في الميناء، وله 6 أخوات، وعلى الرغم من عدم حصوله على مؤهل على الإطلاق، حيث أنه بمجرد حصوله على الابتدائية، اضطر لترك الدراسة، وعمل مع والده في الشحن والتفريغ، وذلك من أجل المساعدة في نفقات البيت، ومع ذلك فقد كان يعشق القراءة، ويستعير الكتب لأنه غير قادر على شراء الكتب من المكتبة، وكان محبا لقراءة كل ما كتب عن الثورة الفرنسية لأنه معجب بها.

ارتبطت شهرة فرغلي، في بورسعيد وربوع مصر، بأبناء الطبقة الكادحة، من العمال وأرباب المعاشات، حيث دافع عن العمال بشراسة قائلا: “إن العامل المصري بلا حقوق، ولابد من تعديل قوانين العمل لحماية العمال، فهم الحلقة الأضعف في المجتمع”، ولعله يبدو ملحوظا لكل من جالس الراحل، أنه أثناء مجالسته للحديث لا يكف (تليفون) فرغلي عن الرن، فهو تعود أن يتسلم أكثر من 500 مكالمة تليفونية يوميا، بداية من السابعة صباحا وصولا إلى منتصف الليل، حيث يكون رده مقتضبا على أغلبها، ولكنه يحرص على الاستماع لمشكلات الناس وإيجاد حلولا لها بقدر الإمكان.

كان فى مقدور البدرى فرغلى، الذى تم انتخابه عضوا بمجلس الشعب لأربع دورات فاز فيها باكتساح على كل المرشحين من أصحاب المال والجاه والنفوذ أن يكون من سكان القصور أو البيوت الميسورة الحال، وأصحاب السيارات الفخمة والخدم والحشم والأراضى الصناعية والزراعية، ولكنه اكتفى برغيف خبز معجون بعرق النضال والكفاح، الذي وهب حياته من أجله، وفضل أن يكون لسان حال الغلابة ومحامى الفقراء والمعدمين، وعلى هذا الأساس اختار أحد المقاهى المتواضعة فى مدينة بورسعيد مقرا دائما له لاستقبال أبناء بورسعيد لحل مشاكلهم، وكان يستخدم دراجة متواضعة للغاية فى تنقلاته، ويجلس على المقهى وأمامه كوب شاى مظبوط، وتلال من الشكاوى والاستغاثات التى يحملها فوق العجلة في رحلة عودته إلى البيت أو تحت قبة البرلمان، ويعد أصحابها بإيجاد حلول لها مصحوبة بابتسامة رقيقة.

كان البدري فرغلي بصوته الخشن سياسيا من طراز فريد، مناضلا عماليا مثاليا، كما لو أنه خرج من واحدة من قصص الواقعية الإشتراكية المثالية في العالم، فقد عمل بدأب على مستوى النضال النقابي، ودمجه بمستوى العمل الحضري والجهوي في تمثيله لمصالح مدينته “بور سعيد” في المجالس المحلية والبرلمان، وربط ذلك كله بمستوى وطني كنائب عصامي في المجلس التشريعي، وأخيرا بالعمل على مستوى فئوي، لصالح نقابة أصحاب المعاشات التي أسسها، فعل “فرغلي” هذا كله، من داخل المنظومة نفسها، وبأدواتها، متمسكا بإيمان بسيط بأن العملية السياسة يومية، وفي كل مكان، وأن الدولة تظل، رغم كل شيء ملكنا جميعا.

لقد قال قولته الشهيرة في هذه القضية: “رغم العقود الطويلة التي قضوها في خدمة الوطن على أمل أن يحصدوا نتاج هذا العمر الذي فني على أعتاب مكاتب وشبابيك وميادين العمل العام بعد أن يبلغوا أرذله، إلا أن حصادهم كان أكثر مرارة من تلك التي تجرعوها كؤوسا وأكوابا طيلة سنوات الشقاء، فلم تشفع لهم كهولتهم عند حكومات تجردت من كل معاني الإنسانية، لتلقي بملايين الأسر على قوائم الانتظار والترقب آملين في الحد الأدني من الحياة، حتى وإن كانت غير كريمة .. 9 مليون مستحق للمعاش في مصر لم تؤرق صرخاتهم آنات ومضاجع المسئولين، فباتوا يتسولون الكفاف على موائد المسئولين في وقت ينعم غيرهم على أسرة الراحة والرغد، في مشهد يعيد للأذهان التفرقة الطبقية وتقسيم المواطنين إلى درجات.

ولا أجد ختاما لمقالي هذا أفضل من نعي الشاعر الكبير جمال بخيت الذي يقول في نص (مرثيته) في وداعه:

البدري فرغلي

العترة الفُللي

وَلي ف درب الغلابة

ما أطيبَك وَلي

….

من بحري للصعيد

الحلم مش بعيد

روحي له بورسعيد

يا مصر واسألي

ع البدري فرغلى

….

الصوت وكأنه أُمة

بيبدد ليل وضلمة

وف قلبه نهر.. لمّا

تحبي تنهلي

م البدري فرغلي

يساري..؟

آه يساري

ف بلاد العشق ساري

لو يشنقوا قيثاري

أعزف على منجلي

للبدري فرغلي

52 عاما، دافع وكافح فيها البدري فرغلي، من أجل حقوق الضعفاء والمهمشين وأصحاب المعاشات، معارك كثيرة خاضها، كُللت معظمها بالنجاح، ورغم تداعيات المرض التي أثرت في ضعف رؤية عينيه خلال السنوات الأخيرة، إلا أنه لم يفقد (بصيرته) حتى رحل عن عالمنا بجسده، لكنه سيظل خالدا بذاكرة الوطن والفقراء الذين كان نصيرا لهم طوال حياته.. ولقد ذاق مرارة السجن 11 مرة إحداهما بسبب قصيدة لابنته.. وكافح ضد الإنجليز طفلا وخاض ببسالة معارك البرلمان وتحول لـ (أيقونة المعاشات).

خاض فرغلي حربه الأطول والأصعب، من أجل استرداد أموال أصحاب المعاشات في مصر، طارقا كل الأبواب النقابية والقانونية والقضائية، حتى انتصر بحكم تاريخي، قد يكون سببا في ستر ملايين الأسر بعد وفاته، وبحسب الدكتور عمار على حسن: (فقد البصر لكنه لم يفقد البصيرة أبدا وهو يدافع عن الغلابة، مرة عن العمال، وأخرى عن أصحاب المعاشات، ومرات عن الناس جميعا في شوقهم إلى العدل والكفاية والحرية).. رحمه الله رحمة واسعة وجعل مثواه الجنة .. آمين.

نقلا عن صحيفة اليوم السابع

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *